حيدر حب الله
228
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وبظهور كتابي « المبسوط » و « الخلاف » للشيخ أبي جعفر الطوسي ( 460 ه ) بدأ الوضع يختلف ، لقد أراد الطوسي في الكتاب الأوّل إثبات أن الشيعة لديهم في الموروث الخاصّ بهم استيعابا لمفردات الفقه الإسلامي وصوره وفرضياته ونوازله ، لقد أراد ردّ التهمة الموجّهة إلى الإمامية من أنّه لا فقه لها ، فأسّس المبسوط على أساس ذلك « 1 » . ولم تكن أمام الطوسي - فيما يبدو - عيّنات شيعية ليحذو حذوها في تأليفه للمبسوط ، من هنا أخذ الفروع التي طرحها أهل السنّة في مصنّفاتهم ، وحاول أن يعطي مواقف شيعيّة لها ، وعبر هذا الطريق دخلت الأفكار والمقولات والفروض والخلافات السنّية إلى الداخل الشيعي ، فبعد أن ألّف الطوسي « الخلاف » على أساس الفقه المقارن ، وأغرق الساحة الشيعية بآراء الفقه السنّي ومناقشتها على نطاق شمل الفقه من أوّله إلى آخره ، مكّنه ذلك من تقديم تجربة المبسوط بشكل بارع . وهكذا شعر الفكر الشيعي أنّه بات مطالبا بمتابعة الخلافات والفكر السني في جزئياته ومناهجه بصورة أكبر من خلال متابعته كتاب المبسوط ، الذي فتح لمرحلة جديدة ، وهذا ما أثار حفيظة بعض الفقهاء كابن إدريس الحلّي ، على ما أسلفنا سابقا . إلّا أنّ مجيء العلامة الحلّي ( 726 ه ) غيّر الأوضاع قاطعا الطريق على منتقدي تجربة الشيخ الطوسي رغم مظاهرها المحافظة ، فقد خاض العلامة إطار الفكر السنّي على نطاق واسع ، وتعلّم بشكل متميّز العلوم الدينية عند السنّة حتى تلمّذ على بعض علمائهم « 2 » . ونحن نوافق علماء المدرسة الأخباريّة في أنّ العلامة كان قد تأثّر بجملة مقولات عند أهل السنّة ، لكن لا يعني ذلك نقطة سلبيّة عليه أبدا خلافا لما قاله الأخباريّون ، فإنّ اقتباس أفكار من الجانب السني ليس جرما عندما يكون في إطاره الفكري والعلمي الصحيح . لقد أدّت تجربة العلامة إلى تجارب مماثلة في الانفتاح على الفكر السنّي ، ظهرت
--> - يعمل بالقياس ، وجزم بهذه النسبة الطوسي في الفهرست : 392 ؛ والأسترآبادي في الفوائد المدنية : 78 ؛ وقد بذلت محاولات لتفسير ظاهرة ابن الجنيد وتبريرها أبرزها محاولة السيد بحر العلوم ، فانظر له : الفوائد الرجالية 3 : 205 - 222 ، وغيرها . ( 1 ) - أبو جعفر الطوسي ، المبسوط 1 : 14 ، المقدّمة . ( 2 ) - درس العلامة الحلّي عند بعض علماء السنّة مثل : الشيخ نجم الدين علي بن عمر الكاتب القزويني الشافعي ، والشيخ برهان الدين النسفي الحنفي ، والشيخ تقي الدين عبد اللّه بن جعفر بن علي بن الصباغ الحنفي الكوفي . . . راجع مصادر ترجمة العلامة ، كأعيان الشيعة 5 : 401 - 402 ؛ وأمل الآمل 2 : 81 ؛ وريحانة الأدب 4 : 178 ؛ ومجالس المؤمنين 1 : 571 ؛ وينقل ذلك في لؤلؤة البحرين عن صاحب « محبوب القلوب » ، فراجع اللؤلؤة : 223 - 224 .